بسم الله الرحمن الرحيم
مدينة الخمس كانت من المواقع
الهامة على الساحل
الليبي التي بادر الإيطاليين إلي
احتلالها منذ المراحل الأولى
للغزو الإيطالي ففي 17 التمور
(أكتوبر) 1911ف كانت السفن
الحربية تواجه شاطئ الخمس وتطلب
استسلام الحامية التركية بها
وأعطيت لها مهلة إلى منتصف النهار
ومن ثم أخذت السفينة (فاريسي) في
قصف المدينة وظلت تقصف الساحل
والمدينة إلى غاية 20التمور
(أكتوبر) 1911ف على فترات متقطعة
وخرج المجاهدون من المدينة واخذوا
أماكنهم على تلال المرقب ..
المرقب ربوه صخرية عالية
يبلغ ارتفاعها حوالي 176م على سطح
البحر ويشرف علي مدينة الخمس من
الجهة الجنوبية الغربية ويبعد
عنها بمسافة 4 كيلومتر تقريباً
وتحيط به سلسلة من الجبال والهضاب
والسهول والوديان. ونظرا لموقعه
الاستراتيجي بالنسبة للمدينة
والدي اكسبه أهمية تكمن في أن من
يستولي عليه تصبح له
السيادة الكاملة على
المنطقة وما حولها من آفاق
وإلى مسافات بعيدة حيث
يعتبر
هذا
المرتفع نقطة
رصد
لحركة القوات الغازية
وتعطيل زحفها وإعاقتها عن تنفيذ
مخططها الرامي إلى التوسع وتهدد
بشكل مباشر تواجدهم في المدينة
... شعر الايطاليون بمركزهم
المتزعزع وقرروا أنه من الضروري
لهم لتأمين سيطرتهم على المواقع
التي استولوا عليها من الساحل
العمل على الاستيلاء على هضبة
المرقب. عند الساعة السابعة من
صباح يوم 23التمور (اكتوبر) 1911ف
اندفعت القوات الإيطالية في عنف
ووحشيه على قوات المجاهدين
المعتصمين في المرقب والذين لا
يزيد عددهم في ذلك اليوم عن 500
مجاهد ونشبت معركة حامية الوطيس
برز فيها دور المجاهدين في قتال
رهيب سجل ملحمة رائعة من الشجاعة
والفدائية حيث كانوا يندفعون وسط
صفوف الأعداء كالسهام المنطلقة
يبثون الرعب في قلوبهم . في ذلك
الوقت الذي كانت فيه تتساقط قذائف
المدافع بعيدة المدى فوقهم ونظراً
لما كان من شجاعة وبلاء حسن اهتزت
جنبات المرقب له الأمر الذي اضطر
قادتهم إلى الاستعانة بقوات
احتياطية من الجنود وانتهت
المعركة عند الظهر باحتلال العدو
للمرقب وانسحاب من تبقى من
المجاهدين .
لم يهدأ للمجاهدين بال ولم يستقر
لهم قرار منذ أن استولى العدو على
المرقب ولذلك استمروا في مهاجمة
الموقع و توافد أبناء الوطن من
كل حدب وصوب للدفاع عن ترابه
الطاهر ووصل دعماً للمجاهدين بما
يزيد عن 1000 رجل من خيرة
المجاهدين من مختلف المناطق فعجّل
ذلك بوضع الخطط والاستعداد لأخذ
الثأر واسترداد المرقب وكان على
رأس هؤلاء المجاهدين عبد السلام
أبو منيار القذافي و صالح المضوي
ومختار جوان وعبد العاطي الجرم
ومحمد المرغني وعمر النعاس وغيرهم
من الرجال الشجعان البواسل.
اندفعوا في هجوم عنيف فاجأ جنود
العدو وأذهلهم وألجمهم عن التصرف
فأجهز عليهم المجاهدون ولم يكن
أمام الإيطاليين من تصرف سوء
الفرار من موت لا يستطيعون له
دفعاً أو تحويلاً وامتلأت ساحة
المرقب بجثث قتلاهم وجرحاهم وفر
من استطاع منهم الفرار وسيطر
المجاهدون على الموقف وتوج النصر
هاماتهم واستولوا على الموقع بكل
ما يتضمنه من غنائم خلفها العدو
على ارض المرقب الأشم
بعد هذه الانتصارات المتلاحقة
تشجع المجاهدون على القيام بهجمات
متكررة على قوات العدو فكبدوهم
الخسائر المادية والمعنوية وتحطمت
كل آمال الغزاة واستبدلوا قادتهم
أكثر من مرة ولم يثني ذلك
المجاهدين عن توجيه الضربة تلوى
الأخرى لهم. في يوم 27 النوار
(فبراير) 1912ف وصلت إلى مدينة
الخمس تعزيزات إيطالية لدعم
الحامية الحربية بها وعقب وصول
تلك الإمدادات عن طريق البحر لجأت
القيادة الإيطالية إلى أساليب
الخديعة والمباغتة فوجهوا بعض
سفنهم إلى سواحل زليتن ومصراته
لإيهام المجاهدين بإحتلالهما حتى
تتوزع بذلك جهود القيادة الوطنية
ويخف الضغط على جبهة الخمس
المتماسكة ... على أثر ذلك حاول
الغزاة الزحف ليلاً بجيشهم علي
هضبة المرقب غير أن المجاهدين
فوتوا الفرصة عليهم واندلعت معركة
ضارية استمرت حتى غروب الشمس
وأمام هذه الأهوال انسحب
المجاهدون الذين كتبت لهم النجاة
وسط هذه النيران المتأججة وتخلوا
عن المواقع وبذلك تمكنت القوات
الإيطالية من احتلال الهضبة بعد
أن دفعت الثمن باهظا من الأرواح
والمعدات ... احتل الطليان المرقب
في 28 النوار (فبراير) 1912ف
والمجاهدون يحاولون استرداده وقد
هاجمو عدة مرات وحصّن العدو
مواقعه بشكل ملفت للنظر فقد أنشاء
على القلعة حصنان قويان وأحيطا
بثمان أطواق من الأسلاك الشائكة
وجهز ما يكفي للدفاع عنها... في
ليلة 12 الصيف (يونيو) 1912ف
ابتدأ الزحف على هذه الكتلة من
الحديد والنار وتمكنت جماعات من
المجاهدين من فتح ثغرات في مناطق
التحصين تدفق منها المجاهدين
واقتحموا حصن الإيطاليين مما
أجبرهم على الفرار ولاحقهم
المجاهدون وهم يفرون باتجاه
الساحل .
ورد في الوثائق الرسمية أن هذه
المعركة أستشهد فيها نحو المائة
مجاهد وجرح حوالي مائتين وفي
المقابل تكبدت قوات الإيطاليين
مقتل سبعة عشر ضابطاً ونحو ألف
جندي ومنذ ذلك الحين والمرقب يئن
من تواجد العدو به والمجاهدون لا
ينفكون يشنون الهجمات المتوالية
في محاولة منهم لاسترداد هذا
الموقع واستعادة سيطرتهم عليه ولم
تنقطع تلك الهجمات طوال تواجد
العدو به حتى رحل عنه إلى غير
رجعة .
رحم الله
شهدائنا الأبرار وأسكنهم فسيح
جناته |